يعرض الدكتور محمد قواس في هذا التقييم السياسي صورة التوتر الصامت بين القاهرة وعدد من العواصم الخليجية، رغم بيانات الإدانة الرسمية التي أصدرتها الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية ضد الهجمات الإيرانية على دول الخليج والدول العربية. ويركز النص على أن مظاهر الإحباط لم تصدر أساسًا عبر القنوات الرسمية، بل ظهرت بوضوح أكبر على منصات التواصل الاجتماعي الخليجية، حيث رأى كثيرون أن الموقف المصري جاء متأخرًا، وأقل حدة ووضوحًا مما تفرضه خطورة التصعيد.


ويشير مركز تقدم للسياسات إلى أن هذا الانطباع لا يلغي وجود موقف مصري رسمي واضح في الإدانة، لكنه يسلط الضوء على الفجوة بين اللغة الدبلوماسية التي اعتمدتها القاهرة، والتوقعات الخليجية التي كانت تنتظر اصطفافًا سياسيًا أسرع وأكثر صراحة. ومن هنا نشأ شعور لدى بعض الأوساط الخليجية بأن مصر لم تواكب لحظة الخطر بالقدر الكافي، حتى لو كانت قد أعلنت رفضها للهجمات الإيرانية في بيانات واتصالات رسمية لاحقة.


إدانة مصرية واضحة ولكنها متأخرة


يسرد التقرير سلسلة من الخطوات الرسمية التي اتخذتها القاهرة خلال مارس 2026. ففي الأول من مارس، أدانت وزارة الخارجية المصرية استهداف إيران لسيادة دول عربية، بينها قطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن. ثم جاء اتصال رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 13 مارس، حيث شدد على رفض مصر لاستهداف دول الخليج والأردن والعراق، مؤكدًا أن هذه الدول لم تشارك في أعمال عدائية ضد إيران، بل سعت إلى التهدئة.


وفي 15 مارس، أجرى السيسي اتصالات مع قادة الإمارات وقطر والأردن، وأكد خلالها رفض مصر القاطع للهجمات الإيرانية واستعدادها لتقديم ما يلزم لدعم أمن الدول الحليفة واستقرارها. ثم تحدث في 16 مارس مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأدان الهجمات الإيرانية المتكررة، مجددًا تضامن مصر مع السعودية في مواجهة أي تهديد يمس سيادتها وأمنها. كما أشاد مجلس التعاون الخليجي في بيان مشترك يوم 15 مارس بالموقف المصري إلى جانب مواقف الأردن والمغرب والمملكة المتحدة.


ورغم هذه الخطوات، يرى التقرير أن بعض المصادر الخليجية اعتبرت الإيقاع المصري بطيئًا، لا سيما أن التواصل المباشر المكثف مع القادة الخليجيين لم يتبلور إلا بعد مرور فترة رأى مراقبون أنها طويلة قياسًا بحجم الأزمة. ولهذا لم تُقنع الإدانة الرسمية وحدها قطاعات من الرأي العام الخليجي بأن القاهرة اتخذت موقفًا صارمًا منذ اللحظة الأولى.


غضب خليجي غذّته المنصات والإشارات الرمزية


يلفت التقرير إلى أن الإحباط الخليجي لم يقتصر على مسألة التوقيت، بل ارتبط أيضًا بنبرة الخطاب المصري العام. فقد رصدت أوساط خليجية تصريحات لعدد من الشخصيات العامة المصرية بدت متعاطفة مع إيران أو أقل حساسية تجاه استهداف دول الخليج، وهو ما عُدّ إشارة سلبية في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة. كما اعتبر بعض المتابعين الخليجيين أن ما صدر عن القاهرة لم يتجاوز الحد الأدنى الدبلوماسي، ولم يرتقِ إلى مستوى الرسالة السياسية الحاسمة التي كانوا ينتظرونها من دولة بحجم مصر.


وفي المقابل، تنقل الورقة عن مصادر مصرية قولها إن هذا النقد يحمل قدرًا من المبالغة، لأن الدولة المصرية أعلنت بوضوح رفضها للهجمات الإيرانية، ولأن غالبية الرأي العام المصري لا تؤيد هذه الهجمات. كما تؤكد هذه المصادر أن الإعلام المصري عبّر في مجمله عن تضامن مع دول الخليج، وأن الأصوات المخالفة لا تمثل سوى أقلية هامشية ذات توجه أيديولوجي محدود التأثير.


احتواء دبلوماسي وأسئلة لم تُحسم


يرصد التقرير في الوقت نفسه مؤشرات على تحرك مصري لاحتواء هذا التوتر المعنوي. ففي 18 مارس، أصدرت وزارة الدولة للإعلام المصرية بالتنسيق مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئات الصحفية والإعلامية الوطنية بيانًا مشتركًا حذر من الممارسات الإعلامية السلبية التي قد تضر بعلاقات مصر التاريخية مع الدول العربية، مؤكدًا أن هذه العلاقات عميقة الجذور وتشكل ركيزة من ركائز الأمن القومي العربي.


كذلك أعاد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال جولته الخليجية في 15 مارس، طرح فكرة تفعيل الآليات العربية المشتركة، بما في ذلك تشكيل قوة عربية موحدة لحماية الأمن الإقليمي. غير أن التقرير يشير إلى ملاحظة لافتة، هي أن الرياض لم تظهر بوضوح ضمن محطات هذه الجولة حتى 18 مارس، ما أثار تساؤلات في بعض الأوساط الخليجية، رغم نفي المصادر المصرية وجود أي توتر سياسي بين القاهرة والرياض.


ويخلص التقييم إلى أن أصل المشكلة لا يكمن في غياب الإدانة المصرية، بل في الفارق بين ما قالته القاهرة رسميًا وما أرادت منصات خليجية أن تسمعه منها سياسيًا ورمزيًا. ولهذا تبدو التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة محاولة لإعادة ترميم الثقة وتبديد الانطباع بأن القاهرة ترددت في لحظة كانت فيها دول الخليج تنتظر موقفًا أسرع وأوضح وأشد تماسكًا.

 

https://www.arabprogress.org/en/why-gulf-states-are-frustrated-with-egypt/